عبد القاهر الجرجاني

341

دلائل الإعجاز في علم المعاني

ومن " الإيجاز " قوله تعالى : وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ " 1 " [ الأنفال : 58 ] ، وقوله تعالى : وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [ فاطر : 14 ] ، وقوله : فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ " 2 " [ الأنفال : 57 ] ، وتراهم على لسان واحد في أن " المجاز " و " الإيجاز " من الأركان في أمر الإعجاز . وإذا كان الأمر كذلك عند كافّة العلماء الذين تكلّموا في المزايا التي للقرآن ، فينبغي أن ينظر في أمر الذي يسلم نفسه إلى الغرور ، فيزعم أنّ الوصف الذي كان له القرآن معجزا ، هو سلامة حروفه مما يثقل على اللسان ، أيصحّ له القول بذلك إلّا من بعد أن يدّعي الغلط على العقلاء قاطبة فيما قالوه ، والخطأ فيما أجمعوا عليه ؟ وإذا نظرنا وجدناه لا يصحّ له ذلك إلّا بأن يقتحم هذه الجهالة ، اللّهم إلّا أن يخرج إلى الضّحكة فيزعم مثلا أن من شأن " الاستعارة " و " الإيجاز " إذا دخلا الكلام ، أن يحدث بهما في حروفه خفة ، وتتجدّد فيها سهولة ، ونسأل اللّه تعالى العصمة والتوفيق . واعلم أنّا لا نأبى أن تكون مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان داخلا فيما يوجب الفضيلة ، وأن تكون مما يؤكّد أمر الإعجاز ، وإنما الذي ننكره ونفيّل رأي من يذهب إليه ، أن يجعله معجزا به وحده ، ويجعله الأصل والعمدة ، فيخرج إلى ما ذكرنا من الشناعات . ثم إنّ العجب كلّ العجب ممن يجعل كلّ الفضيلة في شيء هو إذا انفرد لم يجب به فضل البتّة ، ولم يدخل في اعتداد بحال . وذلك أنّه لا يخفى على عاقل أنه لا يكون بسهولة الألفاظ وسلامتها مما يثقل على اللسان اعتداد ، حتى يكون قد ألف منها كلام ، ثم كان ذلك الكلام صحيحا في نظمه والغرض الذي أريد به ، وأنه لو عمد عامد إلى ألفاظ فجمعها من غير أن يراعي فيها معنى ، ويؤلّف منها كلاما ، لم تر عاقلا يعتدّ السهولة فيها فضيلة ، لأن الألفاظ لا تراد لأنفسها ، وإنما تراد لتجعل أدلّة على المعاني . فإذا عدمت الذي له تراد ، أو اختلّ أمرها فيه ، لم يعتدّ بالأوصاف التي تكون في أنفسها عليها ، وكانت السهولة وغير السهولة فيها واحدا . ومن هاهنا رأيت العلماء يذمّون من يحمله تطلّب السّجع والتجنيس على أن

--> ( 1 ) أي : إن كان بينك وبين قوم هدنة فخفت منهم نقضا للعهد فلا تبادر إلى النقض حتى تلقي إليهم أنك قد نقضت ما بينك وبينهم ؛ فيكونوا معك في علم النقض والعود إلى الحرب مستوين . ( 2 ) يقال : شرد البعير : نفر والتشريد : الطّرد . والمعنى : أي : فرّق وبدّد جمعهم وقيل : فزّع بهم من خلفهم .